السيد جعفر مرتضى العاملي
179
صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
تترسّخ حينئذٍ فيما بين هذا المجتمع أواصر « 1 » المحبّة والتّآخي والتآلّف ويشعر كلّ من أفراده بأنّه في مجتمع يبادله الحبّ والحَنان ، « 2 » وأنّ له إخواناً يهتّمون به ، ويعيشون قضاياه ومشاكله ويمكنه أن يستند إليهم ويعتمد عليهم . والمسجد هو أجلى وأفضل موضع لتبسيط العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد ، وتقليل مشاكل التّعامل الرّسمي ، والتكلّفات البغيضة ، الّتي توحى بوجود فوارق ومميّزات ، بل وحدود تفصّل هذا عن ذاك وبالعكس . والخلاصة : لقد كان المسجد موضع عبادة وتعلّم وتفهّم لما يفيد في أمور الدّين والدّنيا ، وتربية نفسيّة وخُلقية ، ومحلّاً للبحث في كلّ المشاكل الّتي تهمّ الفرد والمجتمع ، ومكاناً مناسباً للتّعارف والتّآلف بين المسلمين ، ومركزاً للقيادة والرّيادة ؛ ففيه كان ( ص ) يستقبل الوفود ، ويبتّ « 3 » في أمور الحرب والسّلم ، ويفصل الخصومات ، وفيه كان يتمّ البحث عن كلّ ما يهمّ الدّولة وشؤونها ، والنّاس ومعاملاتهم وارتباطاتهم ؛ وفيه كان يجد الضّعيف قوّته ، والمهموم المغموم سلوته « 4 » والّذي لا عشيرة له ينسى بل يجد فيه عشيرته ، والمحروم من العطف والحَنان بُغيَتَه . 2 . المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وبعد خمسة أو ثمانية أشهر أو أقلّ أو أكثر « 5 » - من مقدمه ( ص ) المدينة آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار على الحقّ والمواساة ، وكان المسلمون حين المؤاخاة على ما يقولون تسعين رجلًا ، منهم خمسة وأربعون رجلًا من
--> ( 1 ) 1 . جمع الآصرة وهي ما عطفك على رجلٍ من رَحِمٍ أو قرابةٍ أو صهرٍ أو المعروف ( 2 ) 2 . الحنان : الرّحمة ( 3 ) 3 . بتّ الأمر : أمضاه ( 4 ) 4 . السَّلوَة والسُّلوة ( بالفتح والضمّ ) : السّلوّ . يقال : هو في سَلْوة من العيش ، أي في رَغَدٍ منه ( 5 ) 5 . راجع : البحار ، ج 19 ، ص 122 ، ومناقب ابن شهرآشوب ، ج 1 ، ص 152 ، ووفاء الوفاء ، ج 1 ، ص 267 ، وفتح الباري ، ج 7 ، ص 210 ، والسيرة الحلبية ، ج 2 ، ص 92 .